محمد بن الطيب الباقلاني
136
إعجاز القرآن
بسهم ، أو في العربية بقسط - وإن قل ذلك السهم ، أو نقص ذلك النصيب - فما أحسب أنه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن ، وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول ، صلى الله صلى الله عليه وسلم ، في خطبه ورسائله ، وما عساك تسمعه من كلامه ، ويتساقط إليك من ألفاظه ، وأقدر أنك ترى بين الكلامين بونا بعيدا ، وأمدا مديدا ، وميدانا واسعا ، ومكانا شاسعا . * * * فإن قلت : لعله أن يكون تعمل للقرآن ، وتصنع لنظمه ، وشبه عليك الشيطان ذلك من خبثه - فتثبت في نفسك ، وارجع إلى عقلك ، / واجمع لبك ، وتيقن أن الخطب يحتشد لها في المواقف العظام ، والمحافل الكبار ، والمواسم الضخام ، ولا يتجوز فيها ، ولا يستهان بها ، والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب جراميزه ( 1 ) ، ويشمر لها عن جد واجتهاد ، فكيف يقع بها الاخلال ؟ وكيف تعرض ( 2 ) للتفريط ؟ فستعلم ، لا محالة أن نظم القرآن من الامر الإلهي ، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الامر النبوي . فإذا أردت زيادة في التبين ( 3 ) وتقدما في التعرف ، وإشرافا على الجلية وفوزا بمحكم القضية ، فتأمل - هداك الله - ما ننسخه لك من خطب الصحابة والبلغاء ، لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا - من خطب النبي صلى الله عليه وسلم - واحد ، وسبكها سبك غير مختلف ، وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره ، ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين ، وبين ( 4 ) شعر الشاعرين ، وذلك أمر له مقدار معروف ، وحد - ينتهى إليه - مضبوط .
--> ( 1 ) في اللسان 7 / 183 " ويقال : جمع فلان لفلان جراميزه : إذا استعد له وعزم على قصده . وجراميز الرجل : جسده وأعضاؤه " . وانظر مجمع الأمثال 1 / 174 ( 2 ) س ، ا : " وكيف يتعرض " ( 3 ) س : " في التبيين " ( 4 ) م : " وشعر "